استنفار أمريكي وجاهزية قصوى في إيران.. هل تتجه المنطقة إلى تصعيد جديد؟
وما يُرافق ذلك من مخاوف بشأن أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.
وسط طبول تصعيد تبدو ملامحه في الأفق، تتجه الأنظار صوب “خطوط التماس” بين واشنطن وطهران؛ إذ وضعت التحركات الأمريكية الأخيرة ومستويات الجاهزية القصوى في إيران المنطقة في حالة “استنفار كامل”، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالين: “إما الانزلاق نحو مواجهة أوسع، أو إعادة رسم قواعد الردع تحت سقف التفاوض”.
وفي التفاصيل، أفادت تقارير أمريكية، اليوم الأحد، بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاد إلى البيت الأبيض بعد مغادرته “كامب ديفيد”، في وقت توجه فيه وزير الحرب بيت هيجسيث إلى واشنطن، وسط تكهنات بشأن “مشاورات أمنية وعسكرية” على مستوى رفيع.
وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، خصوصا مع عودة “جبهة اليمن” إلى واجهة الأحداث واستمرار هجمات “الحوثيين” على أهداف سعودية، وما يُرافق ذلك من مخاوف بشأن أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.
لا قرار عسكري مُعلن
رغم التحركات “اللافتة” للمسؤولين الأمريكيين، لم يُصدر إعلان رسمي يُفيد بأن عودة ترامب وهيجسيث إلى واشنطن مرتبطة بقرار عسكري جديد، كما لم يعلن البيت الأبيض أو وزارة الحرب الأمريكية، حتى الآن، عن “عملية عسكرية وشيكة”.
وتحدثت تقارير إعلامية أمريكية، عن مناقشة مسؤولين أمريكيين خيارات عسكرية “مُحتملة” للتعامل مع التطورات في اليمن، في وقت تُراقب فيه المنطقة التحركات العسكرية الأمريكية عن كثب، بينما تُبقي واشنطن على مستوى قواتها في الشرق الأوسط “استعدادا لاحتمالات تجدد العمليات”.
وتزامن ذلك مع تقارير عسكرية وملاحية عن تحركات لقاذفات أمريكية “استراتيجية”، في ظل انتشار عسكري أمريكي واسع في المنطقة، واستخدام قواعد في أوروبا لدعم العمليات العسكرية في الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية.
تحذيرات أمنية للأمريكيين
بالتزامن مع التحركات العسكرية، أصدرت بعثات دبلوماسية أمريكية في عدد من دول الشرق الأوسط “تنبيهات أمنية” لمواطني الولايات المتحدة، على خلفية تصاعد التوترات الإقليمية والمخاوف من حدوث تطورات مفاجئة.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، في تحذير نشرته عبر موقعها الرسمي وحساباتها على منصات التواصل الاجتماعي، أمس السبت، إن “البيئة الأمنية لا تزال مُعقّدة مع احتمال حدوث تصعيد غير متوقع”، داعية المواطنين الأمريكيين الموجودين في الشرق الأوسط إلى “توخي أقصى درجات الحيطة والحذر”.
وأضافت الوزارة، أن الحوثيين المدعومين من إيران شاركوا في أعمال “عدائية” ضد السعودية، شملت استهداف “مطارات مدنية”، معتبرة أن الوضع ينطوي على احتمال التصعيد السريع.
ودعت الخارجية الأمريكية، مواطنيها الموجودين خارج الشرق الأوسط إلى “إعادة النظر بجدية في السفر إلى المنطقة أو عبرها”، كما حثت المسافرين على متابعة التحديثات الصادرة عن المطارات وشركات الطيران.
وفي تحذير أوسع، أشارت الوزارة، إلى أن منشآت دبلوماسية أمريكية، بما فيها “منشآت خارج الشرق الأوسط”، سبق أن تعرّضت للاستهداف، محذّرة من احتمال استهداف إيران أو جماعات موالية لها مصالح أمريكية في الخارج أو مواقع مرتبطة بالولايات المتحدة ومواطنيها حول العالم، بما في ذلك “الشركات والمؤسسات الأمريكية”.
إيران ترفع الجاهزية
علاوة على ذلك، وضعت قيادة الجيش الإيراني وحداتها في حالة “تأهب قصوى”، بالتزامن مع تقديرات أمنية داخل العاصمة تُشير إلى إمكانية تعرّض المنشآت أو القوات الإيرانية لضربات عسكرية جديدة في أي لحظة، بحسب وسائل إعلام إيرانية رسمية.
وفي المقابل، ذكرت مصادر داخل طهران، وضع القوات المسلحة الإيرانية خططا عملياتية “شاملة” للرد على أي سيناريوهات جوية أو برية أو بحرية مُحتملة، مشيرة إلى أن تحركات الأطراف المُعادية تخضع لمراقبة ورصد دقيق.
وتتضمن الخطط الإيرانية “المُحتملة” في حال التعرّض لهجوم توجيه ردود “واسعة النطاق” تستهدف القواعد والمصالح العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، حيث تأتي هذه التهديدات ضمن “حسابات الردع والرسائل السياسية” التي يصعب التحقق من تفاصيلها الدقيقة بصورة مستقلة، وفق المصادر ذاتها.
وتأتي حالة “الاستنفار” بعد أشهر من المواجهة المباشرة بين إيران وأمريكا، والتي امتدت تداعياتها إلى قواعد ومنشآت أمريكية في عدد من دول المنطقة، بينما لا تزال طهران وواشنطن تتحركان بين “التصعيد العسكري والبحث عن مسارات للتهدئة”.
المنطقة أمام مساران متوازيان
يضع المشهد الحالي المنطقة أمام مسارين يتحركان في الوقت نفسه؛ الأول “عسكري”، مع رفع درجات الاستعداد وتحريك الأصول العسكرية ومراجعة الخيارات العملياتية، والثاني “دبلوماسي”، مع استمرار الحديث عن محاولات لإعادة فتح قنوات بين واشنطن وطهران.
ويزيد دخول “جبهة اليمن” على خط التوتر من تعقيد الحسابات الأمريكية، في ظل هجمات “الحوثيين” الأخيرة واتساع المخاوف بشأن أمن البحر الأحمر وطرق إمدادات الطاقة، بالتزامن مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، لا تعني التحركات العسكرية، منفردة أو مجتمعة، أن “واشنطن اتخذت قرارا بشن عملية عسكرية جديدة، لكنها تعكس ارتفاع مستوى التأهب في توقيت تتسع فيه بؤر التوتر في المنطقة”.
شروط إيرانية للتفاوض
وفي سياق متصل، وفي وقت سابق، من أمس السبت، أعلن أمين مجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي، أن بلاده أبلغت الحكومة الأمريكية بـ”7 شروط رئيسية” باعتبارها متطلبات مُسبقة لأي مفاوضات مُحتملة بين الجانبين.
وأكد رضائي، جاهزية طهران لأي مواجهة عسكرية “مُحتملة”، مشددا على أن أمريكا، بحسب موقفه، لا تملك خيارا سوى “قبول الشروط الإيرانية” للخروج من الأزمة الراهنة.
وأوضح المسؤول الإيراني، أن الرسالة التي وجهتها طهران إلى الجانب الأمريكي “واضحة وحاسمة”، ولا تعكس، وفق تصريحاته، أي تراجع عن الموقف الإيراني.
وتُشير تقارير حديثة مختلفة، إلى أن الشروط الإيرانية تتضمن “مطالب مرتبطة بوقف الحرب وإجراءات أمريكية بشأن العقوبات والأصول المُجمّدة والقيود البحرية”، بينما لا تزال مواقف الطرفين بشأن استئناف المفاوضات محل خلاف.
تحذيرات من تصعيد مُفاجئ
تأتي هذه التطورات في وقت أصدرت فيه السفارات الأمريكية في “بيروت والكويت والبحرين وبغداد ومسقط وعمان” تحذيرات أمنية للمواطنين الأمريكيين، دعتهم فيها إلى “توخي الحذر الشديد” على خلفية التوترات الإقليمية المتصاعدة والمخاوف من حدوث تصعيد عسكري مفاجئ.
وبين عودة مسؤولين أمريكيين إلى واشنطن ورفع طهران مستوى جاهزيتها، تبقى الإشارة الأهم “غائبة” حتى الآن، وهي “عدم وجود إعلان رسمي عن قرار أمريكي بشن عملية عسكرية جديدة”.
لذلك، تظل التحركات الحالية مؤشرات على حالة تأهب ومشاورات متسارعة، أكثر من كونها “دليلا مؤكدا” على أن المنطقة تتجه إلى ضربة وشيكة، فيما يبقى مسار التصعيد مرتبطا بالتطورات الميدانية وما إذا كانت الاتصالات السياسية قادرة على احتواء التوتر قبل انتقاله إلى مواجهة جديدة.
وتُشير تقديرات لمراكز أبحاث استراتيجية، من بينها “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، التحركات الأمريكية والجاهزية الإيرانية المرتفعة إلى “تصاعد واضح في مستوى التأهب بالشرق الأوسط”، لكنها لا تعني حتى الآن أن المنطقة تتجه حتما إلى مواجهة عسكرية جديدة، في ظل غياب إعلان رسمي أمريكي عن عملية وشيكة واستمرار محاولات إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحا.